إسرائيل تعيد رسم معركتها في لبنان

تشهد الساحة السياسية في لبنان حالة من الجدل المتصاعد عقب ما يُعرف بـ”الاتفاق الإطاري” مع إسرائيل، إذ تعمل بعض القوى السياسية على استثمار حالة الالتباس التي رافقت الإعلان عنه، بهدف تحقيق مكاسب إعلامية وانتخابية، في ظل انقسام واضح حول تفسير بنوده وتداعياته على المشهد الداخلي اللبناني في المرحلة المقبلة.
ويرى محللون أن تصريحات وزير العدل اللبناني عادل نصار جاءت لتفنيد عدد من التأويلات التي أُثيرت حول الاتفاق، والتي طالبت إمّا بإعادة النظر فيه أو التراجع عنه بالكامل، مؤكدين أن موقف الدولة اللبنانية يسعى إلى تثبيت مسار تفاوضي يحدده الإطار الرسمي المعتمد.
وبحسب هؤلاء، فإن الدولة اللبنانية تضع ما يُعرف بـ”ورقة السلام” في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، بما في ذلك القوى الرافضة للاتفاق، وفي مقدمتها حزب الله، معتبرين أن هذه الورقة تمثل أداة سياسية يمكن من خلالها إدارة المرحلة المقبلة وما يرافقها من استحقاقات.
ويشير محللون إلى أن “الاتفاق الإطاري” يُنظر إليه كخطوة أولى في مسار سياسي أوسع، إلا أنه لا يعني إنهاء التوتر القائم، خصوصًا في ظل توقعات باستمرار ما يُوصف بـ”الحرب الاستخباراتية” الإسرائيلية داخل الساحة اللبنانية، مع احتمال توسعها لاحقًا لتشمل عمليات اغتيال تستهدف شخصيات تعتبرها إسرائيل تهديدًا مباشرًا لأمنها.
وفي هذا السياق، قال الكاتب والمحلل السياسي رولاند خاطر إن توقيع الاتفاق في واشنطن أدى إلى انقسام واضح داخل المجتمع اللبناني بين مؤيد ومعارض، مشيرًا إلى أن حجم التأويلات التي رافقت الاتفاق، خاصة من قبل أطراف سياسية بارزة، فرض على بعض الجهات داخل الحكومة التأكيد على أنه لا يمس السيادة اللبنانية ولا مشروع الدولة.
وأضاف أن تصريح وزير العدل الأخير جاء في إطار توضيح الصورة العامة، والتأكيد على أن الاتفاق لا يتعارض مع المسار الرسمي للدولة، بل يعكس محاولة لتثبيت دور المؤسسات في إدارة الملف.
وأوضح خاطر أن ما تمتلكه الحكومة اللبنانية من أدوات في هذه المرحلة، رغم غياب قرار الحرب، هو الانخراط في المسار السياسي والتفاوضي، بما يشمل فتح باب التسويات إذا توفرت شروط مقابلة من الجانب الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن بعض المطالب اللبنانية التي طُرحت في واشنطن ترتبط بإعادة التموضع الإسرائيلي في بعض المناطق.
ولفت إلى أن التطورات الأمنية منذ اندلاع المواجهات الأخيرة أظهرت تصاعدًا في العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية، معتبرًا أن هذا النهج بات جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الإسرائيلية في التعامل مع خصومها، وهو ما قد يفتح الباب أمام استمرار هذا النوع من العمليات وربما تصعيدها مستقبلًا.
وختم خاطر بالإشارة إلى أن الحرب الاستخباراتية مرشحة للاستمرار، وقد تتطور في بعض الحالات إلى عمليات اغتيال تستهدف شخصيات تصنفها إسرائيل ضمن دائرة التهديد المباشر.
من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي أمين بشير إن النقاش الدائر حول الاتفاق الإطاري شهد مواقف متعددة، بينها تصريحات لعدد من المسؤولين الحكوميين تؤكد أن الاتفاق، وفق تفسير وفود قانونية وحقوقية، يصب في مصلحة لبنان، موضحًا أنه لا يُعد معاهدة نهائية بل إطارًا تمهيديًا لبدء مسار تفاوضي.
وأضاف أن إحدى النقاط الأساسية التي يتم الترويج لها تتمثل في ما يُقال عن اعتراف إسرائيلي بسيادة لبنان وعدم وجود أطماع مباشرة في أراضيه، معتبرًا أن كثيرًا من التفسيرات المتداولة لا تعكس، بحسب رأيه، نصوص الاتفاق كما وردت في الصياغات الرسمية.
وأشار بشير إلى أن بعض القوى السياسية تحاول توظيف الملف في سياق تنافس داخلي، إلا أن الضامن الأساسي لهذا المسار، بحسب تعبيره، يبقى الدور الأميركي الذي يسعى إلى ضبط التوازنات ودفع الأطراف نحو التهدئة.
وأكد أن الدولة اللبنانية تمتلك، عبر هذا المسار، قدرة على التحرك الدبلوماسي والتوقيع على تفاهمات أو اتفاقات تهدئة وفق ما تتيحه الظروف، معتبرًا أن ذلك يعزز موقع المؤسسات الرسمية في إدارة الملفات السيادية.
وختم بالإشارة إلى أن قوة الدولة، في هذا السياق، تكمن في قدرتها على إدارة قرار التفاوض والتوقيع ضمن الأطر الرسمية، بما يعيد ضبط التوازن الداخلي في التعامل مع هذا الملف الحساس.




